ابراهيم بن عمر البقاعي

718

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

حتى يترك العقاب ويصفح عن الجريمة ، فلذلك شهدوا بإتيان الرسل إليهم وإقامة الحجة عليهم ، وشهدوا على أنفسهم بالكفر ، فما زادهم ذلك إلا وبالا وحزنا ونكالا . [ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 131 إلى 135 ] ذلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها غافِلُونَ ( 131 ) وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ ( 132 ) وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ ما يَشاءُ كَما أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ ( 133 ) إِنَّ ما تُوعَدُونَ لَآتٍ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ ( 134 ) قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ( 135 ) ولما ذكر سبحانه إقامة الحجة على الكافر في المعاد بالرسل عليهم السّلام ، علل إرسالهم ترغيبا وحثا في اتباعهم في أيام المهلة بعد ترهيب ، وتنبيها وإرشادا في صادع تخويف وتأديب فقال : ذلِكَ أي الأمر العظيم الجدوى هو أن أرسلنا الرسل أَنْ أي لأجل أنه لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ أي المحسن إليك بتشريف قومك مُهْلِكَ أي ثابتا إهلاكه الْقُرى بِظُلْمٍ أي بسبب ظلم ارتكبوه وَأَهْلُها غافِلُونَ * أي غريقون في الغفلة عما يجب عليهم مما لا تستقل به عقولهم ، أي بما ركب فيهم من الشهوات وغلب عليهم من اللذات ، فأوقف عقولهم عن نافذ المعرفة بما يراد بهم ، فأرسلنا إليهم الرسل حتى أيقظوهم من رقدتهم وأنبهوهم من غفلتهم ، فصار تعذيبهم بعد تكذيبهم هو الحق الواجب والعدل الصائب ، ويجوز أن يكون المعنى : مهلكهم ظالما ، فيكون المنفي من الظلم كالمنفي في قوله تعالى وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [ فاطر : 46 ] وعلى الأول المنفي ظلمهم . ولما بيّن سبحانه أن لأحد الفريقين دار السّلام ، والآخر دار الملام ، قال جامعا للفريقين عاطفا على قوله لَهُمْ دارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ [ الأنعام : 127 ] : وَلِكُلٍّ أي عامل من الفريقين صالح أو طالح في قبيلي الجن والإنس في الدارين دَرَجاتٌ أي يعليهم اللّه بها مِمَّا أي من أجل ما عَمِلُوا ودركات يهويهم فيها كذلك . ولما تقدم أنه تعالى لا يهلك المجرمين إلّا بعد الإعذار إليهم ، وتضمن ذلك إمهالهم ، وختم أحوالهم بأنهم موضع لثبوت الغفلة ودوامها ، نفى أن يسلم شيء من ذلك بجناب عظمته على وجه أثبت له ذلك إحاطة العلم بجميع أعمالهم فقال : وَما رَبُّكَ أي المحسن إليك بإعلاء أوليائك وإسفال أعدائك ، وأغرق في النفي لإثبات مزيد العلم فقال : بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ * أي عن شيء يعمله أحد من الفريقين ، بل هو